محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

626

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

حين قال [ له ] ربّه أسلم ؛ وقال بعضهم هو بيان لمعنى الملّة ، أي ملّته الإسلام والإخلاص فيه ؛ وقال ابن عبّاس : إنّما قال ذلك له ربّه حين خرج من السرب وأبصر الكوكب والقمر والشمس بعين الأفول ، وأعرض عنها وقال : إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ الآية ؛ ومعنى قوله أسلم : أثبت على الإسلام واستقم ، وأقم عليه . التفسير قال ابن عبّاس في رواية عطاء : يريد أسلم بقلبك ولسانك وجميع جوارحك حتّى لا تعدل باللّه شيئا . قال : أسلمت بجميع ذلك وقد رضي أن يحرق بالنار في رضى اللّه تعالى ، ولم يستعن بأحد من الملائكة ؛ وقيل : كان لا يحبّ لأحد إلّا ما يحبّ لنفسه وذلك إسلامه ؛ وقيل : أمره اللّه تعالى بالتوكّل والإخلاص في الطاعة والتسليم لتقديره وحكمه حيثما يصرف به من الأحوال ؛ وقال سعيد بن جبير : معناه أخلص دينك للّه بالتوحيد وسلّم نفسك ( 253 آ ) إلى اللّه بالتفويض وفوّض أمرك إلى اللّه بالتسليم . الأسرار قال المسلمون أمرهم إلى اللّه : والمفوّضون حكمهم إلى اللّه : إنّ غاية الدين ونهايته كماله ، وكماله في الإسلام مطلقا من غير اختلاج في القلب بكيف ولم ، والحنيفية هي الطهارة من كلّ عيب وريب ، والإسلام هو الشهادة بكلّ شهادة وغيب ، ولذلك يقرأ في دعاء التوجّه 5 : حنيفا مسلما ؛ ولمّا لم يلبث إبراهيم - عليه السلام - طرفة عين حين قيل له : أَسْلِمْ حتّى قال : أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ ، كان له كمال الدين الذي ليس وراءه كمال ، وهكذا حال من لم يتردّد في حال المخبر الداعي إلى اللّه تعالى إذا قيل له : أَسْلِمْ قال أَسْلَمْتُ ؛ فإنّ نسبة النبيّ إلى اللّه تعالى في الإسلام له كنسبة المستجيب إلى النبيّ في الإيمان به ؛ فكما أسلم إبراهيم في الحال حين دعي إلى اللّه كذلك يجب أن يسلم المؤمن في الحال حين يدعى إلى اللّه ؛ ومن شكّ في قوله أهو صادق أم لا وطلب المعجزة على دعواه حتّى يتبيّن له صدقه بالمعجزة كان من الناقصين في الإيمان النازلين عن درجة الإيقان .